قصّة إسلام عمر بن الخطّاب 
::
كانت أوّل شعاعة من نور الإيمان لامست قلبه , يوم أن رأى نساء قريش يتركن بلدهن ويرحلن إلى بلدٍ بعيدٍ عن بلدهن بسبب مالقين منه ومن أمثاله ..
فرق قلبه , وعاتبه ضميره فرثى لهن , وأسمعهن الكلمة الطيبة التي لم يكنّ يطمعن أن يسمعن منه مثلها ..
قالت أم عبدالله بنت حنتمه : لما كنا نرتحل مهاجرين إلى الحبشة , أقبل عمر حتى وقف عليّ , وكنّا تلقى منه البلاء والأذى والغلظة علينا ..
فقال لي : إنه الإنطلاق يا أم عبدالله ..؟ | قلت : نعم , والله لنخرجنّ في أرض الله , آذيتمونا وقهرتمونا , حتى يجعل الله لنا فرجا | فقال عمر : صحبكم الله .
ورأيت منه رقّة لم أرها قط . فلمّا جاء عامر بن ربيعة وكان قد ذهب في بعض حاجته وذكرت له ذلك قال : كأنك قد طمعت في إسلام عمر ..؟
| قلت : نعم | فقال : إنه لايسلم حتى يسلم حمار الخطاب !!
لقد تأثّر عمر من هذا الموقف وشعر أن صدره قد أصبح ضيّقاً حرجا , فأي بلاءٍ يعانيه أتباع هذا الدين الجديد ..؟ , وهم على الرغم من ذلك صامدون !!
ماسر تلك القوّة الخارقة ..؟ , وشعر بالحزن وعصر قلبه الألم , وبعد هذه الحادثة بقليل أسلم عمر , ولكن قبل إسلامه وبعد هذا الموقف حصل أمورٌ عدّة
فكانت قريش قد إجتمعت فشاورت في أمر النبي صلى الله عليه وسلم , فقالوا : أي رجُلٍ يقتل محمداً ..؟ | فقال عمر بن الخطّاب : أنا لها | فقالوا : أنت لها ياعمر ..
فخرج في الهاجرة متوشّحاً سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطاً من أصحابه , وقد ذكروا له أنهم إجتمعوا في دار الأرقم في أسفل الصفا ..
فلقيه نُعَيم بن عبدالله النَّحّّام , فقال : أين تريد يا عمر ..؟ | قال : أريد هذا الصابئ الذي فرّق أمر قريش وسفّه أحلامها , وعاب دينها , وسب آلهتها فأقتله ..
قال له نُعَيم : لبئس الممشى مشيت ياعمر , ولقد والله غرّتك نفسك من نفسك , ففرّطت وأردت هلكة بني عديّ , أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً ..؟
فتحاورا حتى علت أصواتهما , فقال عمر : إني لأظنك قد صبوت ولو أعلم ذلك لبدأت بك , فلما رأى نُعَيم أنه غير مُنْتَه
قال : فإني أخبرك أن أهلك وأهل خَتنك قد أسلموا وتركوك وما أنت عليه من ضلالتك , فلمّا سمع مقالته قال : وأيّهم ؟ | قال : خَتَنك وابن عمّك وأختك .
فلمّا سمع عمر ذلك إحتمله الغضب وذهب إليهما فلما قرع الباب قالوا : من هذا ؟ | قال : ابن الخطّاب . وكانوا يقرؤون كتاباً في أيديهم ..
فلمّا سمعوا حس عمر قاموا مبادرين فاختبؤوا ونسوا الصحيفة على حالها , فلمّا دخل ورأته أخته عرفت الشر في وجهه , فخبّأت الصحيفة تحت فخذها
قال : ماهذه الْهَيْنَمَة والصوت الخفي الذي سمعته عندكم ؟ ( وكانوا يقرؤون طه ) فقالا : ماعدا حديثاً تحدثناه بيننا .
قال : فلعلّكما قد صبوتما , فقال له ختنه : أرأيت ياعمر إن كان الحق في غير دينك ؟ فوثب عمر على ختنه سعيد وبطش بلحيته فتواثبا , وكان عمر قوياً شديدا
فضرب بسعيد الأرض ووطئه وطئاً ثم جلس على صدره , فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها نفحةً بيده , فدمى وجهها
فقالت وهي عضبى : يا عدو الله , أتضربني على أن أوحّد الله ؟ | قال : نعم | قالت : ماكنت فاعلاً فافعل , أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله
لقد أسلمنا رغم أنفك , فلمّا سمعها عمر ندم وقام عن صدر زوجها , فقعد ثم قال : أعطوني هذه الصحيفة التي عندكم فأقرؤها
فقالت أخته : ﻻ أفعل | قال : ويحكِ قد وقع في قلبي ماقلتِ , فأعطينيها أنظر إليها , وأعطيك من المواثيق أن ﻻ أخونك حتى تحرزيها حيث شئت .
قالت : إنك رجس فـ ﻻ يمسّه إلا المطهّرون فقم فاغتسل أو توضأ , فخرج عمر ليغتسل ورجع إلى أخته فدفعت إليه الصحيفة وكان فيها ( طه ) وسورٌ أخرى
فرأى فيها : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) , فلمّا مرّ بـ ( الرحمن الرحيم ) ذعر , فألقى الصحيفة من يده , ثم رجع إلى نفسه فأخذها فإذا فيها :
{ طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى * تَنزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى *
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى }
فعظمت في صدره , فقال : من هذا فرّت قريش ..؟ ثم قرأ . فلمّا بلغ إلى قوله تعالى :
{ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى }
قال : ينبغي لمن يقول هذا أن ﻻ يُعبد معه غيره , دلّوني على محمد ..
فلمّا سمع خبّاب رضي الله عنه ذلك خرج من البيت وكان مختفياً وقال : أبشر يا عمر , فإني أرجو أن تكون قد سبقت فيك دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين :
( اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك : بأبي جهل بن هشام , أو بعمر بن الخطاب )
قال : دلّوني على مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلمّا عرفوا منه الصدق قالوا : هو في أسفل الصفا .
فأخذ عمر سيفه فتوشّحه ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب ,
فلمّا سمعوا صوته وَجِلوا ولم يجترئ أحدٌ منهم أن يفتح له , لِمَا قد علموا من شدّته على رسول الله .
فلمّا رأى حمزة رضي الله عنه وَجَلَ القوم قال : مالكم ؟ | قالوا : عمر بن الخطّاب | قال : عمر بن الخطّاب ؟ افتحوا له , فإن يُرِد الله به خيراً يُسلم , وإن يرد غير ذلك يكُن قتله علينا هيّناً
ففتحوا , وأخذ حمزة ورجلٌ آخر بعضديه حتى أدخلاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : أرسلوه ..
ونهض إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأخذ بحجزته ( والحجزة هي معقد السراويل والإزار ) , وبجمع ردائه ثم جبذه جَبْذَة شديدة
وقال : ماجاء بك يا ابن الخطاب ؟ والله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة | فقال عمر : يارسول الله جئتك أؤمن بالله وبرسوله وبما جئت به من عند الله
قال : فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرق أهل ابيت من أصحاب رسول الله أن عمر قد أسلم ..
فتفرّق أصحاب رسول الله من مكانهم عزّوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة بن عبدالمطّلب , وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله , وينتصفون بهما من عدوّهم ..
::
منقول حرفياً مع بعض الإختصارات من كتاب :
( فصل الخطاب في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب شخصيّته وعصره )
للدكتور " علي بن محمد الصَّلًّابي "